Verified Original
اسم يفيد المغايرة يقع استثناء بمعنى (إلا) ويقع نفيا، وقد يكون اسما لمعنى المغايرة بلا دلالة على نفي أو استثناء. فمن دلالته على الاستثناء، قولك (أقبل الرجال غير رجل واحد). ونحو قوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدين في سبيل الله﴾ [النساء: ٩٥]، في قراءة النصب، وقد مر هذا في باب الاستثناء. ومن دلالته على المغيرة فحسب، من غير دلالة على استثناء أو نفي، قوله تعالى: ﴿لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ [النساء: ٨٢]، وقوله: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله﴾ [البقرة: ١٧٣]. وقد يكون اسما يفيد النفي، ينفي المضاف إليه، ويقع في المواطن الإعرابية المختلفة فيقع مبتدأ كقوله: غير مجد في ملتي واعتقادي ... نوح باك ولا ترنم شادي وقوله: غير مأسوف على زمن ينقضي بالهم والحزن. وصفه، كقوله تعالى: ﴿ذلك وعد غير مكذوب﴾ [هود: ٦٥]. وخبرًا، كقوله تعالى: ﴿وهو في الخصام غير مبين﴾ [الزخرف: ١٨]. وحالا، كقوله تعالى: ﴿أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة﴾ [النور: ٦٠]، وقوله: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وفاعلا: نحو: (رماك غير رام وهجاك غير شاعر). ومفعولا: نحو: (خاصمت غير كفء)، و (هجرت غير مستحق)، و (رميت غير عدوك). ومجرورًا بالحرف، كقوله تعالى: ﴿الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق﴾ [الأعراف: ١٤٦]. وظرفا كقوله تعالى: ﴿فمكث غير بعيد﴾ [النمل: ٢]، وغير ذلك. إن (غيرا) كما ترى مختصة بنفي الاسم، وهي وظيفة تنفرد بها (غير) عن سائر أدوات النفي. وقد تقول: إن لا قد تشاركها في بعض المواضع، و (ما) أيضا، فما الفرق بينها وبينهما؟ والجواب: أن غيرا أوسع استعمالا في نفي الأسماء من (لا) أو (ما) أو غيرهما. وذلك أن (ما) تنفي الأفعال، وتنفي الجمل الإسمية، ولكنها لا تنفي الاسم المفرد، إلا بقيود وذلك أن لها صدر الكلام، فلا يصح أن تقول مثلا (محمد ما حاضر) ولا (أقبل محمد ما مسرعا) ولا (أكرمت ما محمدًا) بل تقدم (ما) مع منفيها إلى صدر الكلام، فتقول (ما حاضر محمد) و (ما مسرعا أقبل محمد) و (ما محمدًا أكرمت) والمعنى في التقديم يختلف عنه في التأخير، وأما (غير) فيصح تقديمها وتأخيرها، فتقول (محمد غير قائم) و (غير قائم محمد) و (أكرمت غير محمد) و (غير محمد أكرمت). ولا يمكن نفي الصفة مثلا بـ (ما) لأن الصفة لا تتقدم في أول الكلام كما هو معلوم. وكذلك (لا) فإنها تنفي الأفعال وتنفي الجمل الإسمية، وقد تنفي الاسم المفرد، ولكن لا تنفيه إلا بقيد أيضا، فهي لا تنفي الخبر المفرد، ولا الصفة، ولا الحال، إلا بشرط تكرارها كما مر، وذلك لأنه يراد بها إشراك أكثر من جهة في النفي، بخلاف (غير) فإنه لا يشترط أن تتكرر كما هو واضح من الأمثلة، فوظيفة (لا) تختلف عن وظيفة أدوات النفي الأخرى هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن (غيرا) اسم يفيد المغايرة، فقولك (غير محمد) يعني شخصا آخر مغايرا لمحمد، وأما (ما محمد) فيعني النفي عن محمد، ولا يعني شخصا آخر مغايرا لمحمد، وأما (ما محمد) فيعني النفي عن محمد، ولا يعني شخصا آخر، فإذا قلت مثلا (ما محمد حضر) فإنك نفيت الحضور عن محمد خصوصا، ولكن إذا قلت: (غير محمد حضر) فإنك أثبت الحضور لشخص آخر غير محمد. وكذلك إذا قلت (ما محمدًا أكرمت) فإنه يفيد نفي الإكرام عن محمد خصوصا، وينفي هذا الخصوص عن محمد، يدل التعبير استنتاجًا عن أنك أكرمت غير محمد، وأما قولك (غير محمد أكرمت)، فإنه يفيد إثبات الإكرام لشخص غير محمد، وبلفظ المغايرة دل التعبير على نفي الإكرام لمحمد، فهما طريقتان مختلفتان في النفي والإثبات، فالأولى أعني بالحرف هو نص على النفي، وقد يستفاد الإثبات لغير المنفي استنتاجًا. وأما النفي، بـ (غير) فهو يفيد الإثبات لغير المذكور، ويفيد النفي، عن المذكور، بلفظ المغايرة، فقولك (ما محمدا أكرمت) يفيد نفي الإكرام عن محمد خصوصا، وإثبات الإكرام لغيره استنتاجًا، وقولك (غير محمد أكرمت) يفيد إثبات الإكرام لغير محمد، وينفي عن محمد بلفظ المغايرة، والمعنى في التعبيرين نفي الاكرام عن محمد، ولكن بطريقتين مختلفتين. إن الأصل كما يبدو من لفظ (غير) أنها كانت تستعمل للمغايرة إطلاقا، وبتطور الدلالة اقتربت المغايرة من معنى الإستثناء، حتى أصبحت استثناء كما مر في باب الاستثناء. واقتربت من معنى النفي، عن طريق الإثبات لما غاير المذكور، حتى صارت نفيا عن المذكور، وربما أنمحى معنى المغايرة من الذهن في الاستثناء، والنفي فلا يفهم إلا بالتأويل والتأمل، فقولك (ما حضر غير علي) مثلا يفهم منه (ما حضر إلا علي) ولا يفهم منه أن الشخص الذي هو غير علي لم يحضر، وكذلك قوله تعالى: ﴿فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ [الذاريات: ٣٦]، فإن معنى المغايرة أنمحي أوكاد من هذا التعبير، ولم يفهم إلا بالتأويل وأعمال الفكر، لعقد الصلة بين الإستثناء والمغايرة. وكذلك النفي في نحو قوله تعالى: ﴿ويقتلون النبين بغير حق﴾ [آل عمران: ٢١]، وقوله: ﴿إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [الزمر: ١٠]، فإنه لا يفهم منه إثبات غير الحق، وإثبات غير الحساب، إلا تأولا وتأملا، وإنما يفهم نفي الحق، ونفي الحساب بداهة وابتداء.
Terjemahan belum tersedia untuk bagian ini.