Kitab Kuning

تقديم المفعول على الفاعل:

Verified Original
الأصل أن يتقدم الفاعل على المفعول نحو قولك (أكرم خالد سعيدًا) فهذا التعبير هو التعبير الطبيعي في اللغة، ويقال والمخاطب خالي الذهن. فإن حصل أي تغيير في هذه الصورة فإنما يحصل لغرض، وذلك كأن تقول: خالد أكرم سعيدًا بتقديم المسند إليه، كما أسلفنا أو أكرم سعيدا خالد خالد بتقديم المفعول به على الفاعل، أو سعيدا أكرم خالد بتقديم المفعول به على الفعل، والذي يعنينا هنا تقديم المفعول به على الفاعل. يذكر النحاة أن الأصل أن يلي الفاعل الفعل (١)، ويجوز تقديم المفعول على الفاعل إلا إذا حصل لبس، فإنه عند ذلك يجب الابقاء على الأصل، وذلك كأن يخفى الأعراب ولا قرينة، نحو ضرب موسى عيسى، وأكرم هذا ذاك، وأكرم أخي صديقي، وأهان هذا من زاركم. فإن المتقدم هو الفاعل، فإن كانت هناك قرينة جاز التقديم، نحو أكل الكمثري موسى، وضرب ليلى عيسى. كما يجب تقديم الفاعل على المفعول في الحصر نحو: إنما أكرم خالد محمدًا، لأنه لو تأخر لانقلب المعنى. (١) وهناك مواطن لوجوب تقديم المفعول على الفاعل ليس هذا موطن ذكرها، وإنما الذي يعنينا هنا مواطن جواز تقديم المفعول على الفاعل، لأنه موطن التعرف، لأنه موطن التصرف، وأما مواطن الوجوب فهي لازمة ليس فيها تصرف. إن مدار المفعول على الفاعل في اللغة إنما يدور على الاهتمام والعناية كسائر مواطن التقديم قال سيبويه: " وإن قدمت المفعول، وأخرت الفاعل جرى اللفظ كما جرى في الأول، وذلك قوله: ضرب زيدا عبد الله، لأنك إنما أردت به مؤخرا ما أردت به مقدما، ولم ترد أن تشغل الفعل بأول منه، وإن كان مؤخرا وهو عربي جيد كثير، كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم لهم، وهم ببيانه أعني وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم (٢). فمدار الأمر إذن هو الاهتمام والعناية وإن كان موطن الاهتمام مختلفا بحسب المقام قال تعالى: ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله﴾ ﴿آل عمران: ١٤٠﴾، فأنت ترى ههنا أنه قدم المفعول (القوم) على الفاعل (قرح)، وذلك هو الوجه هنا. أن هذه الآية نزلت في معركة أحد التي أصاب المسلمين فيها أذى شديد، وقتل فيها من قتل، من المسلمين، وشج وجه رسول الله ﷺ فانزل الله هذه الآيات يواسيهم ويمسح عنهم الحزن الذي أصابهم، قال تعالى: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، إن يمسسكم قرح فقد مس القوح قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين أمنوا ويتخذ منكم شهداء﴾ [آل عمران: ١٣٩ - ١٤٠] , فأخبرهم أن القرح والأذى لم يصبهم وحدهم إنما أصاب أعداءهم أيضا وقدم العدو لأنه هو الذي يعني المسلمين ههنا، إذ ليس المهم القرح، وإنما المهم من أصاب، فقدم القوم لأن أصابه هؤلاء بأعينهم هو الذي يواسي المسلمين ويخفف عنهم الحزن. ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ يتوفي الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق﴾ [الأنفال: ٥٠]، قدم المفعول به (الذين كفروا) على الفاعل لأن السياق على الذين كفروا، وتغليظ عقوبة الكفر وبيان عاقبة الكافرين قال تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك﴾ [الأنفال: ٣٠]، ﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله﴾ [الأنفال: ٣٦]، ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ [الأنفال: ٣٩]، ﴿إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غز هؤلاء دينهم﴾ [الأنفال: ٤٩]، ﴿ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة﴾ [الأنفال: ٥٠]. فإن المراد بيان حال هؤلاء عند الاحتضار، ولم يقدم الملائكة لأنه لا يتعلق غرض بذكرهم، فإن الملائكة يتوفي بني آدم جميعا، مؤمنهم وكافرهم قال تعالى: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم﴾ [السجدة: ١١]. إن الغرض ههنا كما ذكرت، بيان احتضار الكافر وإنه ليس كاحتضار المؤمن، وإنه يلقى عذابا ومشقة في احتضاره، وإنه يبدأ صب العذاب عليه حين التوفي، فالمقصود هنا تشنيع حالة الكفر وبيان غلظ عقوبة الكافرين فقدم الذين كفروا، ولو قدم الملائكة في هذا الموطن لم يفد هذا المعنى. وقد تقول: ألم يقدم الله تعالى المفعول به في قوله: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم﴾ [السجدة: ١١]، وقوله: ﴿توفته رسلنا﴾ [الأنعام: ٦١]، والجواب، إن هذا من مواطن وجوب تقديم المفعول به، لأنه ضمير واجب الاتصال كما هو معلوم، ولا يصح تأخيره كما تقول: أكرمك محمد ولا تقول: أكرم محمدٌ إياك، وكلامنا فيما كان مجال للتصرف والاختيار. ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين﴾ [هود: ٦٧]، وهو نظير ما مر لأن الكلام على الذين ظلموا وعاقبتهم، وهذا بخلاف قوله تعالى ﴿كذبت قوم نوح المرسلين﴾ [الشعراء: ١٠٥]، ﴿كذبت ثمود المرسلين﴾ [الشعراء: ١٤١]، فإنه أخذ يسرد أحوال هؤلاء المكذبين ثم عاقبتهم، فكان المناسب تقديمهم، وكذلك قوله ﴿وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال﴾ [الرعد: ١١]، فإن المراد بيان أن إرادة الله لا تقهر ولا تغلب، ولا راد لها فإذا أراد الله امرا أنفذه، فالمناسب هنا تقديم الفاعل (الله)، ثم إن السياق، في بيان قدرة الله تعالى وبالغ علمه وقوته: ﴿الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى. يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون. وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشى الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون، وإن تعجب فعجب قولهم أذنا كنا ترابا أءنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب، ويقول الذي كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد. الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال. سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار، له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا اراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال، هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشيء السحاب الثقال﴾ [الرعد: ٢ - ١٢]. ألا ترى كيف أن المناسب هنا تقديم الفاعل المريد، الذي لا يرد حكمه، ولا يقوم لأمره شيء؟ وقد أوضح عبد القاهر شيئا من هذا فقال: " واعلم أنا لم نجدهم اعتمدوا فيه شيئا يجري مجرى الأصل غير العناية والاهتمام، قال صاحب الكتاب وهو يذكر الفاعل والمفعول: كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم لهم، وهم بشأنه أعني، وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم ولم يذكر في ذلك مثالا. وقال النحويون: أن معنى ذلك أنه قد يكون من أغراض الناس في فعل ما، أن يقع بإنسان بعينه، ولا يبالون من أوقعه كمثل ما يعلم من حالهم في حال الخارجي يخرج فيعيث ويفسد ويكثر به الأذى، إنهم يريدون قتله، ولا يبالون من كان القتل منه، ولا يعنيهم منه شيء. فإذا قتل وأراد مريد الاخبار بذلك فإنه يقدم ذكر الخارجي، فيقول (قتل الخارجي زيد) ولا يقول (قتل زيد الخارجي) لأنه يعلم أن ليس للناس في أن يعلموا أن القاتل له (زيد) جدوى وفائدة، فيعنيهم ذكره ويهمهم ويتصل بمسرتهم، ويعلم من حالهم أن الذي هم متوقعون له ومتطلعون إليه، متى يكون وقوع القتل بالخارجي المفسد، وأنهم قد كفوا وتخلصوا منه. ثم قالوا فإن كان رجل ليس له بأس، ولا يقدر فيه أن يقتل فقتل رجلا وأراد المخبر أن يخبر بذلك فإنه يقدم ذكر القاتل فيقول: قتل زيد رجلا. ذلك لأن الذي يعينه، ويعني الناس من شأن هذا القتل طرافته، وموضع الندرة فيه، وبعده كان من الظن. ومعلوم انه لم يكن نادرا وبعيدا من حيث كان واقعا بالذي وقع به، ولكن من حيث الذي كان واقعا من الذي وقع منه (١). وإليك مثلا آخر يوضح الفرق بين هذه التعبيرات تقول: أعان محمد خالدًا، ومحمد أعان خالدًا. وأعان خالدًا محمدٌ، وخالدًا أعان محمدٌ. فالتعبير الأول (أعان محمد خالدا) تقوله والمخاطب خالي الذهن، فأخبرته إخبارا ابتدائيا. والتعبير الثاني (محمد أعان خالدا) يقال إذا كان المخاطب يعلم أن شخصا ما أعان خالدا، ولكنه يظن أنه سعيدا مثلا، لا محمد فتقدم له المسند إليه لتزيل هذا الوهم، أو تقوله بقصد الحصر أو لشيء من الأعراض التي سبق ذكرها. والتعبير الآخر (أعان خالدا محمد) يقال إذا كان الخاطب يعنيه أمر خالد، كأن يكون أخاه أو صديقه فيهمه أمر المعان لا المعين، إذ المهم أن يكون خالد هو المعان لا من أعانه فأخر الفاعل، وقدم المفعول لذلك. وقولنا (خالدا أعان محمد) يقال بقصد الحصر، أي أن محمدا لم يعن غير خالد، كقوله تعالى: ﴿إياك نعبد﴾ [الفاتحة: ٥]، أو يقال بقصد إزالة الوهم من ذهن المخاطب، إذا كان السامع يعلم أن محمدًا أعان شخصا ولكنه يظن إنه سعيد لا خالد، فقدم المفعول لإزالة هذا الوهم. أو لغير ذلك من الأغراض التي سبق أن أشرنا إليها.
Terjemahan belum tersedia untuk bagian ini.

Footnotes:

  • [١] الجمل للزجاجي ٢٤، ابن عقيل ١/ ١٦٥، ابن الناظم ٩١، الرضي على الكافية ١/ ٧٥، الأشموني ٢/ ٥٥، الهمع ١/ ١٦١، التصريح ١/ ٢٨١

    Deprecated: htmlspecialchars(): Passing null to parameter #1 ($string) of type string is deprecated in /home/u141505523/domains/mbg.web.id/public_html/Views/reader.php on line 63
  • [١] انظر ابن عقيل ١/ ١٦٥، ابن الناظ ٩٢، حاشية الخضري ١/ ١٦٥، الأشموني ٢/ ٥٥ - ٥٦، حاشية الصبان ٢/ ٥٥ - ٥٦، التصريح ١/ ٢٨١، الهمع ١/ ١٦١

    Deprecated: htmlspecialchars(): Passing null to parameter #1 ($string) of type string is deprecated in /home/u141505523/domains/mbg.web.id/public_html/Views/reader.php on line 63
  • [٢] سيبويه ١/ ١٤ - ١٥

    Deprecated: htmlspecialchars(): Passing null to parameter #1 ($string) of type string is deprecated in /home/u141505523/domains/mbg.web.id/public_html/Views/reader.php on line 63
  • [١] دلائل الإعجاز ٨٤ - ٨٥

    Deprecated: htmlspecialchars(): Passing null to parameter #1 ($string) of type string is deprecated in /home/u141505523/domains/mbg.web.id/public_html/Views/reader.php on line 63